الشوكاني

15

فتح القدير

والمعنى : الله أعلم بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب له والقول بأنه سحر وكهانة ( كفى به شهيدا بيني وبينكم ) فإنه يشهد لي بأن القرآن من عنده وأني قد بلغتكم ، ويشهد عليكم بالتكذيب والجحود ، وفي هذا وعيد شديد ( وهو الغفور الرحيم ) لمن تاب وآمن وصدق بالقرآن وعمل بما فيه : أي كثير المغفرة والرحمة بليغهما ( قل ما كنت بدعا من الرسل ) البدع من كل شئ المبدأ : أي ما أنا بأول رسول ، قد بعث الله قبلي كثيرا من الرسل قيل البدع بمعنى البديع كالخف والخفيف ، والبديع ما لم ير له مثل ، من الابتداع وهو الاختراع ، وشئ بدع بالكسر : أي مبتدع ، وفلان بدع في هذا الأمر : أي بديع كذا قال الأخفش وأنشد قطرب : فما أنا بدع من حوادث تعتري * رجالا غدت من بعد موسى وأسعدا وقرأ عكرمة وأبو حيوة وابن أبي عبلة ( بدعا ) بفتح الدال على تقدير حذف المضاف : أي ما كنت ذا بدع وقرأ مجاهد بفتح الباء وكسر الدال على الوصف ( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) أي ما يفعل بي فيما يستقبل من الزمان هل أبقى في مكة أو أخرج منها ؟ وهل أموت أو أقتل ؟ وهل تعجل لكم العقوبة أم تمهلون ؟ وهذا إنما هو في الدنيا . وأما في الآخرة فقد علم أنه وأمته في الجنة وأن الكافرين في النار . وقيل إن المعنى : ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة ، وإنها لما نزلت فرح المشركون وقالوا : كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بنا ، وأنه لا فضل له علينا ؟ فنزل قوله تعالى - ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر - والأول أولى ( إن أتبع إلا ما يوحي إلي ) قرأ الجمهور " يوحى " مبنيا للمفعول : أي ما أتبع إلا القرآن ولا أبتدع من عندي شيئا ، والمعنى : قصر أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم على الوحي لاقصر اتباعه على الوحي ( وما أنا إلا نذير مبين ) أي أنذركم عقاب الله وأخوفكم عذابه على وجه الايضاح . وقد أخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس ( أو أثارة من علم ) قال : الخط . قال سفيان : لا أعلم إلا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يعني أن الحديث مرفوع لا موقوف على ابن عباس . وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كان نبي من الأنبياء يخط ، فمن صادف مثل خطه علم " ومعنى هذا ثابت في الصحيح ولأهل العلم فيه تفاسير مختلفة . ومن أين لنا أن هذه الخطوط الرملية موافقة لذلك الخط ، وأين السند الصحيح إلى ذلك النبي ، أو إلى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا الخط هو على صورة كذا ، فليس ما يفعله أهل الرمل إلا جهالات وضلالات . وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( أو أثارة من علم ) قال : حسن الخط . وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم من طريق الشعبي عن ابن عباس ( أو أثارة من علم ) قال : خط كان يخطه العرب في الأرض . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( أو أثارة من علم ) يقول : بينة من الأمر . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه في قوله ( قل ما كنت بدعا ) من الرسل ) يقول : لست بأول الرسل ( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) فأنزل الله بعد هذا - ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر - وقوله - ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات - الآية ، فأعلم سبحانه نبيه ما يفعل به وبالمؤمنين جميعا . وأخرج أبو داود في ناسخه عنه أيضا أن هذه الآية منسوخة بقوله - ليغفر لك الله - وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أم العلاء قالت " لما مات عثمان بن مظعون قلت : رحمك الله أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وما يدريك أن الله أكرمه ؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير ، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم ، قالت أم العلاء : فوالله لا أزكي إلى بعده أحدا " .